سيد محمد طنطاوي

112

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

للفعل عاطاه ، وهو مشتق من عطا يعطو ، إذا تناول الشيء . وهذه الصيغة « تعاطى » تشير إلى تعدد الفاعل ، فكأن هذا النداء بقتل الناقة ، تدافعوه فيما بينهم ، وألقاه بعضهم على بعض ، فكان كل واحد منهم يدفعه إلى غيره ، حتى استقر عند ذلك الشقي الذي ارتضى القيام به وتولى كبره ، حيث عقر الناقة ، فمفعول « عقر » محذوف للعلم به . قال الآلوسي : قوله : * ( فَتَعاطى ) * العقر ، أي : فاجترأ على تعاطيه مع عظمه غير مكترث به . * ( فَعَقَرَ ) * أي : فأحدث العقر بالناقة ، وجوز أن يكون فتعاطى الناقة فعقرها . أو : فتعاطى السيف فقتلها ، وعلى كل فمفعول تعاطى محذوف . . « 1 » . ولا تعارض بين هذه الآية التي تثبت أن الذي عقر الناقة هو هذا الشقي ، وبين الآيات الأخرى التي تصرح بأنهم هم الذين عقروها ، كما في قوله - تعالى - فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ . . . . لأن المقصود أن القوم قد اتفقوا على هذا القتل للناقة ، فنادوا واحدا منهم لتنفيذه ، فنفذه وهم له مؤيدون ، فصاروا كأنهم جميعا عقروها ، لرضاهم بفعله ، والعقر . يطلق على القتل والذبح والجرح ، والمراد هنا : قتلها ونحرها . والتعبير بقوله - تعالى - بعد ذلك : * ( فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ) * يشير إلى هول العقوبة التي نزلت بهم ، بسبب ما فعلوه من عقر الناقة ، ومن تكذيبهم لنبيهم . أي : انظر وتدبر - أيها العاقل - كيف كان عذابي وإنذارى لهؤلاء القوم ؟ لقد كان شيئا هائلا لا تحيط به العبارة . ثم فصل - سبحانه - هذا العقاب فقال : * ( إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) * . والهشيم : ما تهشم وتفتت وتكسر من الشجر اليابس ، مأخوذ من الهشم بمعنى الكسر للشيء اليابس ، أو الأجوف . والمحتظر : هو الذي يعمل الحظيرة التي تكون مسكنا للحيوانات . أي : إنا أرسلنا عليهم - بقدرتنا ومشيئتنا - صيحة واحدة صاحها بهم جبريل - عليه

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 79 .